مرحبًا بكم في أرشيف التاريخ والأنساب العربية – نحن نهتم بكشف أسرار التاريخ العريق والأنساب الأصيلة. لا تنسوا متابعة أحدث المقالات.

الأربعاء، 14 يناير 2015

ابن ماء السماء القرطبي: شاعر الأندلس وفحلها

بن ماء السماء أعظم شعـــراء الأندلس


هذه صورة تخيلية لابن ماء السماء في أحد قصور الأندلس، تعكس الأجواء التاريخية والزخارف الأندلسية الفريدة. إذا كنت ترغب في أي تعديلات، أخبرني بذلك!


اسمه ونسبه ولقبه وذريته

هو أبو بكر عبادة بن عبد الله بن محمد بن عبادة بن أفلح بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، ينتمي إلى واحدة من أعرق بيوتات الأنصار التي لها تاريخ طويل في النسب الشريف. يعود نسبه إلى قيس بن سعد بن عبادة، الذي كان أحد أبرز الشخصيات في قبيلة الخزرج في زمن النبي محمد ﷺ، ويُعتبر سيدًا من سادات الخزرج.

اكتسب شهرة واسعة في الأندلس حيث عُرف بلقب "ابن ماء السماء"، وهو لقب يعكس طهارة نسبه ورفعة مكانته بين الناس. هذا اللقب لم يكن مجرد علامة على النسب الشريف، بل كان أيضًا تعبيرًا عن سموّ مكانته الثقافية والفكرية، فقد كان يُعرف بعلوّ همته في الأدب والشعر، مما جعله أحد الأعلام الذين تركوا بصمة في تاريخ الأندلس.

أما عن ذريته، فقد أنجب من زوجته ولدين هما محمد وعبادة، ومن عبادة تحديدًا تفرعت شجرة من نسل الأنصار الشوافع المعابدة، الذين ما زالوا يحملون إرثه ويُعرفون حتى اليوم بهذا اللقب.

شيوخه وتلاميذه

كان ابن ماء السماء على صلة بكبار العلماء والأدباء في عصره، وأخذ عنهم علوم الأدب واللغة، ومن بينهم:

  1. والده عبد الله بن محمد بن عبادة بن أفلح، الذي كان عالماً وأديباً، فنشأ ابن ماء السماء في بيت يعج بالعلم والأدب.
  2. أبو بكر الزبيدي، وهو أحد أعلام النحو واللغة في الأندلس، وتتلمذ على يديه في علوم اللغة والأدب.

أما تلاميذه، فقد أخذ عنه الكثيرون، ومن أبرزهم:

  1. أبو محمد يحيى بن أزهر، الذي روى عنه وأثنى على شاعريته.
  2. غانم بن الوليد المالقي، الذي تلقى عنه فنون الأدب والشعر.

إنتاجه الأدبي

يُذكر أن ابن ماء السماء قد خلَّف ديوان شعر، ولكن لم يصل إلينا منه إلا القليل. كما يُنسب إليه كتاب بعنوان "أخبار شعراء الأندلس"، وقد وصفه المؤرخ المقري بأنه "كتاب حسن"، إلا أن أياً من فهارس المخطوطات لم تذكر هذا الديوان أو الكتاب.

عصره وسياقه التاريخي

عاش ابن ماء السماء في فترة مضطربة من تاريخ الأندلس، حيث شهد التحولات السياسية الكبرى التي أعقبت سقوط الخلافة الأموية في قرطبة، وبروز ملوك الطوائف الذين استقل كل منهم بمدينة من مدن الأندلس. ومن أبرز هذه الدول:

  • الدولة الزيدية في غرناطة (403هـ - 483هـ)
  • الدولة الحمودية في قرطبة ومالقة (407هـ - 450هـ)

وقد عاش ابن ماء السماء في ظل حكم بني عامر وبني حمود في قرطبة، ثم شهد الفتن والصراعات التي تفجرت بعد وفاة الخليفة الأموي الحكم المستنصر، وتولي ابنه هشام الحكم وهو طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، حيث وقعت السلطة فعلياً بيد الحاجب المنصور بن أبي عامر، الذي كان ابن ماء السماء من أبرز شعراء بلاطه.

وقد مدح الحاجب المنصور بقوله:

لنا حاجب جاز المعالي بأسرها
فأصبح في أخلاق واحد الخلق

فلا يغترر منه الجهول ببشره
فإن هول الرعد في أثر البرق

وتشير المصادر إلى أنه لم يعاصر حكم بني جهور في قرطبة، حيث لم يذكرهم في شعره، مما يرجح أنه تُوفي قبل استيلائهم على الحكم سنة 422هـ.

ما قيل في شعره

حظي ابن ماء السماء بإعجاب النقاد والأدباء في عصره، فعدّوه من فحول الشعراء، وشهدوا له بعلو كعبه في الأدب. فقد قال عنه الحميدي والضبي:

"كان من فحول الشعراء، متقدمًا فيهم مع علمه"

أما ابن بسام، فقد وصفه بقوله:

"كان أبو بكر شيخ الصناعة وإمام الجماعة، سلك إلى الشعر مسلكًا سهلاً"

كما أطلق عليه صاحب الذخيرة لقب:

"شاعر الأندلس ورأس الشعراء في الدولة العامرية"

ورغم أنه كان من أعلام الشعر في عصره، إلا أن ديوانه لم يصل إلينا كاملاً، ولم تذكر فهارس المخطوطات أثرًا له، مما يجعل شعره المتناثر في الكتب مصدرنا الوحيد عنه.

اشتهاره بالتوشيح

يُعد ابن ماء السماء من أوائل الشعراء الذين برعوا في فن التوشيح، وهو لون من الشعر الأندلسي يتميز بجمال الأوزان وتداخل اللغات (العربية والعامية). وقد قال عنه صاحب "الذخيرة":

"هو الذي قَوَّمَ ميلها وسنادها، فكأنها لم تُسمع بالأندلس إلاّ منه، ولا أُخذت إلا عنه"

وكانت موشحاته رقيقة وساحرة، تجذب القلوب بسلاسة ألفاظها وانسيابية أوزانها، مما جعله من رواد هذا الفن في الأندلس.

وفاته واختلاف الروايات

تعددت الروايات حول وفاة ابن ماء السماء، وأهمها:

  1. أنه تُوفي في شوال سنة 419هـ في مالقة، حيث ذُكر أنه فقد مائة دينار فاغتم لذلك، وكان سببًا في وفاته.
  2. أنه كان لا يزال حيًا في صفر سنة 421هـ، حيث ذكر ابن حزم أنه شهد البرد الشديد في تلك السنة، وكتب عنه أبياتًا تصف شدته:

يا عَبرةً أُهدِيت لمُعتَبِرِ
عشيةَ الأربعاءِ من صَفَرِ

أَقبلنَا اللّهُ بأس مُنتقِمٍ
فيها وثني بعفو مُقتدرِ

  1. أن بعض المؤرخين قالوا إنه تُوفي في سنة 422هـ، وهو القول الأرجح.

اللغة والأسلوب

انعكست البيئة الأندلسية المترفة والمتحضرة على أسلوب ابن ماء السماء، فكان شعره يتميز بـ:

  • الرقة والسهولة، إذ تجنب الألفاظ الصعبة والتعقيد اللفظي.
  • البعد عن الزخرفة المبالغ فيها، مع محافظته على جمال الأسلوب.
  • التأثر بالمتنبي في بعض معانيه وأسلوبه، كما في قوله متغزلاً:

ولقد هممتُ به ورُمتُ حرامَه
فَحَماني الإجلالُ دون حَلالِه

وحَبَبتُه حُبَّ الأكارم رغبةً
في خلقهِ لا رغبةً في مالِه

وهو يشبه قول المتنبي:

وأَغيدٌ يهوى نفسَه كلُ عاقلٍ
عَفيفٌ، ويهوى جسمَه كل فاسِقِ

موضوعاته الشعرية

تناول ابن ماء السماء عدة أغراض شعرية، كان أبرزها:

1- المدح

مدح ملوك بني حمود وبني عامر، ومن ذلك قوله في مدح الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم:

يا قمرًا ليلةَ إكمالِه
ومُغرقي في بحر أفضالِه

عبدُ أياديكَ وإحسانِها
يسألُك المَنَّ بإيصالِه

2- الزهد والصبر على المصائب

إياك أن تدري يمينُك ما
يدور على شمالِك

واصبر على نَوبِ الزمانِ وإن
رمت بك في المهالِك

3- الغزل

ولقد هممتُ به ورُمتُ حرامَه
فَحَماني الإجلالُ دون حَلالِه


يظل ابن ماء السماء من أعلام الشعر الأندلسي، الذين جمعوا بين قوة السبك، ورقة المعنى، وبراعة الأسلوب، فكان بحق شاعر الأندلس ورأس فحولها.


موضوعات ذات صلة :

الثلاثاء، 13 يناير 2015

معركة بدر: كيف سطر المسلمون تاريخهم بدماء الشهداء؟

بدر الكبرى: معركة النصر والشهادة في سبيل الله




معركة يدر الكبرى


معركة بدر هي واحدة من أهم المعارك التي دارت في تاريخ الإسلام، وقد كانت فاصلة في تحديد مصير الأمة الإسلامية في بداياتها. تعتبر هذه المعركة نقطة تحول هامة في تاريخ الإسلام، حيث واجه المسلمون في تلك المعركة قوة قريش الكبرى التي كانت تسعى إلى القضاء على الدعوة الإسلامية. ومن خلال معركة بدر، أظهر المسلمون إيمانهم الراسخ بالله وقدرتهم على الصمود في وجه أعدائهم، مما منحهم دفعة قوية في مسيرتهم.

نبذة عن الأحداث التي أدت إلى معركة بدر: بدأت الأحداث التي أدت إلى معركة بدر بعد الهجرة من مكة إلى المدينة. وبعد استقرار المسلمين في المدينة، كانت قريش تمثل تهديدًا مستمرًا للمسلمين. وبسبب العداء المتجذر بينهم وبين المسلمين، قررت قريش أن تسير قافلة تجارية إلى الشام، وكانت تلك القافلة تعني لهم الكثير من العوائد المالية التي كانت تدعم قوتهم. وبالصدفة، علم المسلمون عن مسار القافلة، فقرروا أن يقطعوا عليها الطريق، بهدف إضعاف قريش اقتصاديًا.

أرسل المسلمون مجموعة صغيرة من الصحابة لملاقاة القافلة بقيادة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكان يسمى "بدر"، لكن قريش استعدت للمواجهة وأرسلت جيشًا كبيرًا لصد المسلمين. وفي تلك اللحظة، أصبح الصراع بين الطرفين لا مفر منه.

أحداث المعركة: في يوم 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، وقعت معركة بدر الكبرى. بدأ اللقاء بتبادل من الضربات بين الطرفين، حيث حاول المسلمون استدراج قريش إلى القتال، فبدأت المعركة بتكتيك منظم أظهر فيه المسلمون قوتهم. على الرغم من قلة عددهم (313 مسلمًا)، إلا أن المسلمين قاوموا ببسالة، بينما كان جيش قريش أكبر من حيث العدد (حوالي 1000 مقاتل). وكانت هذه المعركة معجزة إلهية للمسلمين حيث كانت النصر حليفهم بفضل الله، إذ أرسل الله ملائكة لمساندتهم في المعركة.

بطولات في المعركة: شهدت معركة بدر العديد من البطولات المشرفة التي سجلت في التاريخ الإسلامي. من أبرز تلك البطولات:

  1. الصحابي علي بن أبي طالب: كان له دور كبير في القتال، حيث واجه البطل القرشي الوليد بن عتبة، واستطاع أن يقتله في معركة ضارية.

  2. حمزة بن عبد المطلب: عم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وكان له دور مميز في المعركة، إذ خاض قتالًا شرسًا ضد أعداء الإسلام وبرز كبطل عظيم في المعركة.

  3. عبد الله بن رواحة: كان أحد الفرسان البواسل في المعركة، وحقق بطولات عظيمة.

أسماء الشهداء: سقط في معركة بدر 14 شهيدًا من المسلمين، منهم من كان من كبار الصحابة ومنهم من كان حديث العهد بالإسلام. بعض أبرز هؤلاء الشهداء هم:

  1. حمزة بن عبد المطلب: عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد أبرز الشهداء في بدر.
  2. مصعب بن عمير: كان من شباب قريش الذين أسلموا مبكرًا، وكان له دور بارز في الدعوة إلى الإسلام.
  3. عبد الله بن جحش: من أوائل من أسلموا وشاركوا في معركة بدر.
  4. سَعِيد بن زَيْد: من المهاجرين الذين شاركوا في معركة بدر واستشهد فيها.

وكان هؤلاء الشهداء يمثلون أعلى درجات التضحية والإيمان في سبيل الله، وقد سجلوا أسمائهم في تاريخ الأمة الإسلامية.

تكريم النبي صلى الله عليه وسلم لهم: كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حريصًا على تكريم شهداء بدر، حيث قال فيهم: "أنتم شهداء الله في الأرض". وقد ذكر النبي في أكثر من موضع فضلهم وأثنى عليهم، وأوصى الصحابة بالدعاء لهم والترحم عليهم. كما كان يشير دائمًا إلى فضل المعركة وما تحققت من خلالها من نتائج عظيمة للإسلام والمسلمين.

أهم نتائج معركة بدر:

  1. نصر عظيم للمسلمين: كانت المعركة نقطة تحول، حيث أظهرت قوة وعزيمة المسلمين رغم قلة عددهم مقارنة بجيوش قريش.

  2. رفع الروح المعنوية للمسلمين: النصر في بدر ساهم في رفع معنويات المسلمين ودعمهم في مواصلة نشر الدعوة الإسلامية.

  3. ضعف قريش: تلقى جيش قريش الهزيمة في بدر، ما كان له تأثير كبير في قوتهم وهيبتهم، وبالتالي تراجع نشاطهم ضد الدعوة الإسلامية.

  4. اعتراف قريش بحقيقة قوة المسلمين: بعد المعركة، بدأت قريش تدرك أن المسلمين أصبحوا قوة يجب أخذها بعين الاعتبار.

  5. تأكيد الوعد الإلهي للمؤمنين: المعركة كانت بمثابة تحقق لوعد الله للمسلمين بأنهم سيُعزَّون وينصرون، ما زاد من يقين المسلمين في نصر الله.

 تعتبر معركة بدر درسًا عظيمًا في الصبر والثبات في مواجهة الشدائد. لقد أظهر المسلمون في تلك المعركة أن الإيمان بالله والعمل على نصرة الحق يمكن أن يؤدي إلى النصر، مهما كانت التحديات. شهداء بدر كانوا رموزًا للتضحية والإيمان، وتكريمهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان بمثابة تقدير لجهودهم العظيمة في خدمة الدين الإسلامي.

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

غالب بك غلاب: من شندويل إلى الخرطوم، تاريخ مشرف في خدمة الوطن

غلاب بك الأنصاري من جبال صعيد مصر


غالب بك غلاب شافعين : من شندويل إلى الخرطوم، تاريخ مشرف في خدمة الوطن



في قلب صعيد مصر، حيث تنبض الأرض بعراقة الأنساب وأصالة التاريخ، تبرز شخصياتٌ تركت بصمتها على صفحات الوطن. غالب بك صديق أبو شافعين المعبدي الأنصاري، أحد أعلام قبيلة المعابدة، مثالٌ حيٌ على الشجاعة والقيادة. من شندويل البلد بمحافظة سوهاج، انطلق في رحلةٍ مليئةٍ بالعطاء، تكللت بخدمته في الجيش المصري بالسودان، حيث حظي بتقديرٍ شعبيٍ واسع.

في هذا المقال، نُبحر في تفاصيل حياته المشرقة، نستكشف إرثه، ونتأمل أثره الذي لا يزال حاضرًا في الذاكرة والوجدان.

نسبة ونشأته:


هو الأميرالاي محمد بن غالب (غلاب) بن عثمان بن صديق بن غلاب بن أبو بكر بن بكري بن عبادة بن شافعين المعبدي الأنصاري، من ذرية عبادة بن أبي بكر، عبادة بن محمد بن عبد الله بن عبادة بن أفلح الأنصاري بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن قيس بن سعد بن عبادة (رضي الله عنهم)، الخزرجي الأنصاري. وهو شقيق عبد الرحيم بك غلاب، أول ناظر للمدرسة الأميرية بسوهاج، سليل عائلة الشفاعنة الأنصار في شندويل البلد، محافظة سوهاج، من المعابدة، من ذرية الصحابي الجليل سعد بن عبادة رضي الله عنه.

وُلد محمد بك غلاب في مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر الميلادي، وكان منذ نعومة أظافره يتمتع بذكاء حاد وطموح عالٍ، حيث اتجه نظره إلى الجيش في وقت لم يكن فيه لأبناء المصريين مكان بارز، إذ كانت الأولوية لأبناء الشراكسة والأتراك. ومع ذلك، تقدم للالتحاق بالجيش المصري حاملًا روح الثورة العرابية (1870-1882م)، التي كانت بقيادة ناظر الجهادية "أحمد عرابي" وكان أحد رمور قريتة شندويل وأعيانها السيد/ سليمان الجندي من ضباط فرقة عرابي وقد عزل بعد الثورة العرابية. 


قائد الثورة العرابي
أحمد عرابي


كان ذلك في وقت ساء فيه حال الجيش من ضعف وقلة العدد، واضطهاد للمصريين وتأخر ترقياتهم عمدًا مقارنة بالضباط الشراكسة والأتراك المتوغلين في المناصب الأكثر تأثيرًا. كما كان بسبب تهاون الخديوي "توفيق" في التدخل الأجنبي السافر بشؤون البلاد من قبل إنجلترا وفرنسا. وكان أحد أهداف الثورة العرابية أن يكون جيش مصر لأبناء مصر، وزيادة عدد أفراد الجيش من اثني عشر ألفًا إلى ثمانية عشر ألفًا، حتى يمكن تأمين البلاد.

وقد نجح محمد غالب عثمان صديق في أن يكون من بين طلاب المدرسة العسكرية، حيث نبغ وأظهر تفوقه وتخرج برتبة ملازم عام 1890م. تأثر بهذه الروح الوطنية، فعمل على أن يكون نموذجًا مشرفًا للقيادة الوطنية داخل الجيش المصري، ونجح في ذلك بفضل شجاعته وتحمله المسؤولية عبر العصور، بداية من عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، ثم السلطان حسين كامل، ثم الملك فؤاد الأول، الذي حكم مصر من 1917-1936م، ولقب بـ "سيد النوبة وكردفان ودارفور".

هكذا كان غلاب بك حتى أصبح قمة هرم القيادة للجيش المصري في السودان، ولا يعلوه إلا السيرلي ستاك، الممثل للتاج البريطاني، الذي كانت تدين له السلطة المصرية بالولاء في ذلك الوقت.



وقد اشتهر غلاب بك بين جنود وأبناء الشعب السوداني الشقيق، حيث يوجد حتى الآن شارع غلاب بك في الخرطوم، شاهدًا على تاريخه الحافل. وفي عام 1923، حصل على لقب "البكاوية" من الملك فؤاد الأول، الذي أصدر قانونًا رسميًا ينظم منح الألقاب للشخصيات المصرية. وتُمنح عادة للموظفين الذين لا يقل مرتبهم عن 1200 جنيه في السنة، وللأعيان المصريين الذين قاموا بخدمات للبلاد. ويُلقب حاملها بلقب "حضرة صاحب العزة". عاد هو وجنوده المصريون إلى المحروسة بعد حادثة اغتيال السير لي ستاك، وبقي فيها حتى تقاعد عن العمل برتبة لواء. توفي رحمة الله عليه في عام 1934م، وتخليدًا لذكراه، أُطلق اسم محمد بك غالب على أحد شوارع العباسية.

كان رحمه الله شديد الانتماء لوطنه مصر، وشديد الانتماء لبلدته الصغيرة شندويل البلد، فبنى له فيها قصرًا مهيبًا لا يزال قائمًا حتى الآن.

قصر غلاب بك:

هذه صورة تبلغ من العمر أكثر من 100 عام لقصر غلاب بك آل صديق أبو شافعين الأنصاري، الذي يقع غرب قرية شندويل البلد، من ناحيتيه القبلية والخلفية، مما يلي حديقة القصر في موسم الفيضان. ولا يجاوره أية مبانٍ من ناحية القبلية في الأرض المغمورة بالماء، وهي أراضي ملك المرحوم الحاج علي صالحين أبو شافعين الأنصاري. وعليها شُيد فيما بعد منزل المرحوم إبراهيم عبد العال صالحين أبو شافعين الأنصاري، ومنزل المرحوم أحمد عبد العال علي صالحين أبو شافعين الأنصاري، ومنزل المرحوم الحاج محمود أحمد علي صالحين أبو شافعين الأنصاري. كما تحتوي على المساحات التي كانت مخصصة للجرون، والتي كانت تسمى "الردمة"، التي شُيد بها أيضًا منزل المرحوم علي عبد الرحمن علي صالحين أبو شافعين الأنصاري. ولا تزال حتى الآن الكثير من منازل أبناء عمومة غلاب بك في تلك المنطقة.

صورة لقصر غلاب بك الشندويلي

كما يظهر على يمين الصورة مقام الشيخ حريز، مرتفعًا عن الأرض بحوالي 7 درجات، وهو الآن يهبط إليه بدرجتين، مما يظهر كم الردم الذي تعرضت له المنطقة بعد بناء السد العالي. هذا القصر يعد من أهم آثار شندويل، وهو القصر الوحيد بين قصورها المبني على طراز معماري أندلسي فريد.

وكان لغلاب بك رحمه الله من الأراضي في شندويل ما يقدر بنحو 90 فدانًا في أحواض مختلفة، كما ذكر في مذكراته نسبه وأفرع قبيلته، وانتقد عصره في عدم الاهتمام بتسجيل الأنساب وتتبع أفرعها. ومن مواقفه التي تدل على ذكائه وانتمائه، موقف رواه لنا الأستاذ الفاضل الأمجد الشندويلي، حيث عندما نظم محمود باشا الشندويلي احتفالًا مهيبًا للملك فؤاد الأول على نفقته الخاصة، وعند دخول الملك برفقة غلاب بك، لاحظ غلاب بك أن الملك يعتقد أن من نظم الحفل هم القائمون على مديرية جرجا (محافظة سوهاج حاليًا). فأوضح للملك أن الذي نظم الحفل المهيب هو بلدياته محمود باشا الشندويلي.

عن حياته الاجتماعية والأسرية:

تزوج غلاب بك من السيدة الفاضلة زكية، نجلة محمود باشا توفيق، كبير الياوران للخديوي عباس حلمي الثاني آنذاك، وكان منزل الزوجية الأول بجوار مسجد السيدة زينب بالقاهرة. وأنجب منها ثلاث ذكور وثلاث إناث هم:


كبير الياوران الخديوي عباس حلمي الثاني
محمَد باشا توفيق

▪️الدكتور سيد غلاب بك، والد كل من سميرة هانم، زوجة اللواء يحيى زكي صالح في الجيش المصري، وسعدية هانم، زوجة العميد محمد كمال السيد، مأمور شرطة من مركز المنشاة بسوهاج.


الدكتور سيد غلاب برفقه والده

▪️أبو بكر غلاب بك، والد كل من العميد محمد أبو بكر غالب بالجيش المصري، والسيدة بثينة أبو بكر غالب، زوجة أبو العزايم بيك السيد باشا محمود باشا الشندويلي.

▪️محمود غلاب بك، وتزوج ابنة عمه السيدة حميدة عبد الرحيم بيك غلاب، وأنجب منها حلمي وحمدي ومحمود.

▪️السيدة نفيسة غلاب بك، زوجة المرحوم حسين بيك الحويج من قبيلة جهينة، وأنجب منها كمال، مدير مدرسة المعلمات، وعصام من أعيان جهينة في ذلك الوقت، ومحمود بالإذاعة والتلفزيون، ومصطفى من أعيان جهينة.



▪️السيدة فاطمة، زوجة الأستاذ محمد أفندي عبد الرحيم بك غلاب.

▪️السيدة زينب، زوجة المرحوم أحمد الباجي من أعيان مركز المنشاة بسوهاج، والد اليوزباشي كمال أحمد الباجي.


اليوزباشي كمال أحمد الباجي.


عن شقيقه عبد الرحيم بك غلاب:

أول ناظر للمدرسة الأميرية بسوهاج، وله من الأولاد: محمد أفندي عبد الرحيم بك غلاب، وزينب زوجة الحاج أحمد صديق، والسيدة فاطمة زوجة الحاج محمد عبد الحميد النوحي بدمنهور، والسيدة زكية زوجة الحاج عبد الله علي صالحين، والسيدة لبيبة زوجة الحاج أحمد علي صالحين، والسيدة حميدة زوجة محمود بك غلاب، نجل المرحوم غلاب بك.

رحمه الله تعالى، فقد كان علمًا من أعلام الأمة المصرية، وستبقى ذكراه دائمًا تدفعنا للعمل والتقدم وتحقيق مستقبل مشرف نفتخر به، كما لنا ماضٍ مشرف نفاخر العالم به.






الجمعة، 7 نوفمبر 2014

نعي فقيد المعابدة السيد اللواء خالد عبد الرزاق المعبدي

فقيد آل المعبدي الأنصاري بطما



عزاء واجب فقيد المعابدة


بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبألم عميق وحزن كبير، تنعي عائلات المعابدة فقيدها الغالي، السيد اللواء خالد عبد الرزاق المعبدي، الذي وافته المنية بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتفاني في خدمة الوطن، حيث كان مثالًا للأمانة والشجاعة والإخلاص في عمله بالحرس الجمهوري.

لقد فقدنا برحيله رجلاً عظيمًا، كان رمزًا للوفاء والتضحية، وقدم الكثير من الجهد والعرق من أجل حماية وطنه وشعبه. كان الفقيد، رحمه الله، مثالًا للقيادة الحكيمة، قلبه ملئ بالحب والعطاء، وعقله نابغًا في اتخاذ القرارات الصائبة التي خدمت العديد من الأجيال.

إن الفقيد كان دائمًا مصدر فخر واعتزاز لعائلته ووطنه، لا يعرف الكلل ولا الملل في السعي وراء خدمة بلاده، وكان له بصمة واضحة في جميع المجالات التي عمل فيها، تاركًا وراءه إرثًا كبيرًا من الإنجازات التي ستظل خالدة في ذاكرة الأجيال القادمة.

رحل السيد اللواء خالد عبد الرزاق المعبدي، ولكن أعماله وإنجازاته ستظل حية في قلوب كل من عرفه، وأثره الطيب سيظل يذكره الجميع بكل حب وتقدير.

إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر له واذق قلبه الراحة الأبدية، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.

اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، ووفقنا جميعًا لتذكره بأجمل الذكريات، ولنجعل من سيرته نبراسًا في حياتنا.

اللهم ارزق أهله وذويه الصبر والسلوان، واجعل هذه المحنة في ميزان حسناتهم، واجعلها حافزًا لهم للاستمرار في السير على درب الفقيد في العمل والعطاء.

نسأل الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعله من أهل الجنة، وأن يرزقنا جميعًا الصبر على فراقه، وأن يكون هذا البلاء سببًا في رفعة درجاته في الآخرة.

إنا لله وإنا إليه راجعون.



.

الأربعاء، 30 يوليو 2014

سعد بن عبادة: زعيم الخزرج وصاحب المواقف الحاسمة في الإسلام

سعد بن عبادة: نسبه، حياته، ومواقفه البارزة


الصحابي الجليل سعد بن عبادة رضي الله عنه



أصل سعد بن عبادة وكنيته

سعد بن عبادة بن دليم بن كعب، من قبيلة الخزرج الأنصارية، كان أحد زعمائها وأبرز شخصياتها. لُقِّب بـ"الكامل" لإتقانه عدة مهارات، منها الكتابة في زمن الجاهلية، وإجادته السباحة والرماية. اشتهر بكنيتي "أبي ثابت" و"أبي قيس". أما والدته، عمرة بنت مسعود، فكانت من أوائل النساء اللاتي أسلمن وبايعن النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفيت بالمدينة المنورة في العام الخامس للهجرة.

نسبه و نسله:

  • الاسم: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن النعمان بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن الأزد.

  • نسله: يعود بالنسب إليه رضي الله عنه بني نصر، أو النصريون أو بني الأحمر، هذه الأسرة كانت من أبرز الأسر التي حكمت غرناطة في أواخر العصر الإسلامي بالأندلس، وظلت تسيطر على المدينة حتى سقوط غرناطة في 1492م خلال فترة حكم آخر ملوك بني الأحمر، أبو عبد الله محمد، ومن ذريته قبائل الركابية، البقيرية، الشوافع المعابدة، السعايدة، والحمادية، والقضاة، آل هيتم، النجمية، النصيرات، زبيد، الدليم، بنو ساعدة، آل بشعيب، آل عماري، بنو غانم، آل صنع الله الساعدي، الزغول، كل أنصر، بنو عرمر، آل قطب، 

سعد بن عبادة في الجاهلية

لم يكن سعد رجلاً عاديًا بين قومه، فقد كان سيدًا في قومه، عُرف بشجاعته، وقوة شخصيته، كما تميز بمعارفه التي لم تكن شائعة بين العرب آنذاك، مثل القدرة على الكتابة، مما أضفى عليه مكانة خاصة بين قومه.

دخول سعد بن عبادة الإسلام

كان سعد من أوائل من استجابوا لدعوة الإسلام من الأنصار، فشهد بيعة العقبة الكبرى ضمن السبعين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم رسول الله ليكونوا ممثلين للأنصار. بعد إسلامه، لم يتوانَ عن العمل في سبيل الله، وكان ممن وقفوا ضد الوثنية في يثرب، حيث شارك مع المنذر بن عمرو وأبو دجانة في تحطيم أصنام بني ساعدة.

أثر النبي في تربية سعد بن عبادة

كان للنبي صلى الله عليه وسلم دور كبير في تهذيب شخصية سعد، وتعليمه دروسًا عملية في الإيمان والحكمة. ومن المواقف المؤثرة، أنه لما أصيب زيد بن حارثة، بكى النبي صلى الله عليه وسلم بشدة، فاستغرب سعد ذلك وسأله عن سبب البكاء، فأجابه النبي: "هذا شوق الحبيب إلى حبيبه". كما حذّره النبي من المخاطرة، بعد أن خرج سعد ليلاً في وقت خطر، فتعرض لهجوم كاد يودي بحياته.

سمات شخصية سعد بن عبادة

١- شدة غيرته

كان سعد بن عبادة رضي الله عنه غيورًا على محارمه غيرة شديدة، وهو ما يظهر بوضوح في موقفه عندما نزلت آية {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ} [النور: 4]، حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، لو رأيت رجلاً مع امرأتي، لم أستطع أن أفعل شيئًا حتى آتي بأربعة شهداء؟!"، فكان هذا السؤال يعكس شدة غيرته واهتمامه بالحفاظ على شرف أسرته.

ردّ النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدًا حكم الله، وأوضح له أن هذا هو الواجب الشرعي في مثل هذه الحالات، ما يعكس حرص الإسلام على الالتزام بالشهادات والعدالة.

من جهة أخرى، يُظهر سعد بن عبادة غيرة فطرية قوية على محارمه، حيث قال في حادثة أخرى:

"لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لَضَرَبْتُهُ بالسيف غير مُصْفِحٍ."

وعندما بلغ هذا القول النبي صلى الله عليه وسلم، أعرب عن إعجابه بغيرة سعد، وقال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني." ثم أضاف النبي صلى الله عليه وسلم موضحًا: "ومن أجل غيرة الله حَرَّم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن."


٢- سخاؤه وجوده

كان سعد من أكرم أهل المدينة، يُنسب كرمه إلى آبائه الذين اشتهروا بالجود. كان بيته دائمًا مفتوحًا، وقد اعتاد أن يرسل للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا يوميًا من بيته، حتى أصبحت جفنة سعد تدور بين بيوت أزواج النبي.

وكان رضي الله عنه، رمزًا للكرم والجود في الجاهلية والإسلام. يذكر أن له أطُمًا يُنادى عليه كل يوم: "من أحب الشحم واللحم، فليأتِ أطم دُليم بن حارثة"، مما يعكس سخاءه وكرمه. كما كانت جفنة طعامه تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت أزواجه، دلالةً على قربه ومحبته للنبي. وقد شهد له قومه بكرمه، فقالوا: "كان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره بالواحد من المهاجرين، أو بالاثنين، أو بالثلاثة. وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين". 

٣- ثباته على مواقفه

يتجلى ذلك في موقفه يوم السقيفة، حيث أصرّ على رأيه بوجوب أن يكون الحكم بيد الأنصار، ولم يبايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وظل ثابتًا على موقفه حتى وفاته.

مواقف سعد بن عبادة مع النبي صلى الله عليه وسلم

شجاعة سعد بن عبادة في الجهاد و قتال المشركين

سعد بن عبادة رضي الله عنه هو أحد القادة البارزين في تاريخ الإسلام، وواحد من أبرز الصحابة الذين كان لهم دور كبير في الجهاد ضد المشركين. وُلد سعد بن عبادة في مدينة يثرب (المدينة المنورة)، وكان من أسرة نبيلة في قبيلة الخزرج، وعُرف بشجاعته وإقدامه في المعارك التي خاضها إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم. ورغم أن سعد بن عبادة قد شهد العديد من الغزوات والمعارك، فإنه ترك بصمة كبيرة في تاريخ الجهاد الإسلامي من خلال شجاعته وقيادته الحكيمة.

دوره في غزوة بدر

في غزوة بدر الكبرى، التي كانت أولى المعارك التي خاضها المسلمون ضد المشركين في مكة، كان لسعد بن عبادة دور حاسم في إظهار شجاعته. فقد كان أحد القادة الذين قاموا بمساندة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الهام. بالرغم من أنه كان يعتبر من كبار الأنصار، إلا أنه أظهر إصراراً كبيراً على المشاركة في القتال والمساهمة في نصرة الإسلام.

في غزوة بدر، كان سعد بن عبادة يحمل همّ حماية النبي صلى الله عليه وسلم وتأمين الطريق أمام المسلمين لتحقيق النصر. كان قلبه مشبعاً بالإيمان وحرصاً على نصرة الله ورسوله، وهو ما دفعه للمشاركة في المعركة بشجاعة، حيث حمل سيفه وقاتل ببسالة إلى جانب باقي المسلمين. كانت مشاركته في تلك الغزوة هي البداية لشجاعته المستمرة في المعارك.

دوره في غزوة أحد

في غزوة أحد، التي وقعت بعد غزوة بدر، كان لسعد بن عبادة أيضاً دور بارز. فبمجرد أن بدأت المعركة، كانت الخطة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم تهدف إلى حماية المسلمين من هجوم المشركين، خاصة من جهة الجبل. وعلى الرغم من الهجوم المفاجئ من قبل المشركين وتغير مجريات المعركة، كان سعد بن عبادة لا يزال في الصفوف الأمامية يحارب بكل ما أوتي من قوة.

وقد أُصيب سعد بن عبادة في غزوة أحد، إلا أن ذلك لم يثنه عن المشاركة في الدفاع عن دينه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعد أن تراجع المسلمون في المعركة بسبب خرق الرماة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، ظل سعد بن عبادة صامداً وأظهر عزماً شديداً على الاستمرار في القتال حتى تحقيق النصر أو الشهادة.

شجاعته في معركة حنين

من المعارك الأخرى التي أظهر فيها سعد بن عبادة شجاعة لا مثيل لها، هي معركة حنين. في هذه المعركة، كان المسلمين في البداية يعانون من الهزيمة بسبب المفاجأة التي أحدثها المشركون في بداية الهجوم. لكن سعد بن عبادة، الذي كان واحداً من القادة البارزين في صفوف المسلمين، ثبت في مكانه، ورفع الروح المعنوية للمجاهدين.

كان سعد يساند القوات الإسلامية، محارباً بقوة رغم الظروف الصعبة، وساهم بشكل ملحوظ في تحويل دفة المعركة لصالح المسلمين بعد أن اختلطت الصفوف وظهرت روح الإيمان واليقين. ورغم أن المعركة كانت صعبة وشاقة، إلا أن شجاعة سعد بن عبادة أظهرت كيف يمكن للقائد أن يلعب دوراً كبيراً في رفع المعنويات وقيادة المسلمين إلى النصر.

شجاعته في مواقف أخرى

عُرف سعد بن عبادة بالشجاعة في مواقف أخرى عديدة، فقد كان حريصاً على الجهاد في سبيل الله والمشاركة في الدفاع عن دينه ونبيه. كانت حياته مليئة بالمواقف البطولية التي تدل على إيمانه الراسخ بالله، وحرصه على حماية الأمة الإسلامية. حتى في المواقف التي لم تكن تتطلب القتال المباشر، كان سعد بن عبادة من أبرز القادة الذين يقودون الناس في ساحة المعركة ويشجعونهم على الثبات والنصر.


 مرض سعد وزيارة النبي له

عندما مرض سعد مرضًا شديدًا، زاره النبي صلى الله عليه وسلم برفقة بعض الصحابة، وحين رأى حالته تأثر بشدة حتى بكى، ثم قال: "إن الله لا يعذب بدمع العين، ولكن يعذب بهذا".

 دعاء النبي له

زار النبي سعد بن عبادة في بيته، فأُحضر له الطعام، فدعا له قائلًا: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة".

سعد بن عبادة في مواجهة الصحابة بعد وفاة النبي

١- موقفه يوم السقيفة

بعد وفاة النبي محمد ﷺ، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة له، فاختاروا سعد بن عبادة، سيدهم، أميرًا عليهم. خلال الاجتماع، تحدث سعد بن عبادة مبينًا سابقتهم في الإسلام وفضائلهم، مؤكدًا أنهم أحق بالخلافة. قال:

"يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إن محمدًا لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه إلا رجال قليل، وتوفاه الله وهو عنكم راضٍ وبكم قرير عين، استبدوا بالأمر دون الناس؛ فإنه لكم دون الناس."

في المقابل، أصر المهاجرون على أن الخلافة يجب أن تكون في قريش، مستندين إلى حديث النبي ﷺ: "الأئمة من قريش". بعد نقاش طويل، بايع الأنصار والمهاجرون أبا بكر الصديق خليفة للمسلمين. يُذكر أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر في البداية، لكنه بايعه لاحقًا بعد أن أذعن للأمر.

هذا الموقف يبرز التحديات التي واجهها الصحابة في تحديد القيادة بعد وفاة النبي ﷺ، وكيف تم تجاوزها لصالح وحدة الأمة الإسلامية.


سعد بن عبادة رضي الله عنه


٢- موقفه مع عمر بن الخطاب

بعد تولي عمر الخلافة، قابله سعد في أحد طرق المدينة، فقال له عمر: "أنت صاحب ما أنت صاحبه؟". فأجابه سعد: "نعم، وقد أصبحت كارهًا لجوارك". عندها قال عمر: "من كره جوار جاره فليتحول عنه". لم يمضِ وقت طويل حتى غادر سعد إلى الشام، حيث وافته المنية في منطقة حوران.

أقوال سعد بن عبادة

كان سعد رجلًا حكيمًا، ومن كلماته المشهورة:
"اللهم هب لي مجدًا، ولا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه".

وفي يوم السقيفة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة للبحث في أمر الخلافة. كان سعد بن عبادة، أحد كبار الأنصار، أحد المتحدثين الرئيسيين في هذا الاجتماع. وقال سعد بن عبادة في ذلك اليوم مخاطبًا الأنصار: "يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام، ولا يُنكر ذلك أحد. لقد لبث محمد صلى الله عليه وسلم في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم، فما آمن به إلا قليل. وتوفاه الله وهو عنكم راضٍ، وأنتم أهل سابقة وفضيلة. فلا ينبغي أن يُستبعد أمر الخلافة عنكم". وقد رُوي هذا الحديث في عدة مصادر من أهل السنة، منها "صحيح مسلم" و"صحيح البخاري".


موقف سعد بن عبادة في غزوة حنين

في غزوة حنين، بعد أن منَّ الله على المسلمين بالنصر، قام النبي صلى الله عليه وسلم بتوزيع الغنائم. أعطى المؤلفة قلوبهم من طلقاء مكة وزعمائها نصيبًا وافرًا، بينما لم يحصل الأنصار، الذين كانوا قد خاضوا المعركة بشجاعة، على نصيبهم العادل. اجتمع بعضهم في قبة خاصة بهم، فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة، سيد الخزرج، ليستفسر عن الأمر. قال له:

"ما أنا إلا امرؤٌ من قومي."

وبذلك عبّر سعد عن شعوره بما يعتمل في نفوس قومه وصراحته وشجاعته، وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، طلب من سعد بن عبادة أن يجمعهم، فوقف فيهم خطيبًا وقال:

"يا معشر الأنصار، ما مقالةٌ بلغتني عنكم؟ أوجدتم عليَّ في لُعاعةٍ من الدنيا أعطيتها أقوامًا أتألفهم بها إلى الإسلام، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ ألم أجدكم عالةً فأغناكم الله بي؟ ألم أجدكم متفرقين فجمعكم الله بي؟"

فأجابوه جميعًا:"لله ولرسوله المنُّ والفضل."

ثم قال صلى الله عليه وسلم:"أما إنكم لو شئتم لقلتم، فصدقتم، ولُصدِّقتُم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك، وعائلًا فآسيناك."


وبذلك طمأن النبي صلى الله عليه وسلم قلوب الأنصار، وأوضح لهم حكمة توزيع الغنائم، مؤكدًا على فضلهم ومكانتهم في الإسلام.

وفاة سعد بن عبادة

بعد تركه المدينة، استقر سعد في الشام، حيث توفي في ظروف غامضة. تقول بعض الروايات إنه قُتل بسهم مجهول، وقيل إن الجن قتلوه، فكان يُسمع في تلك المنطقة صوت يقول:
"نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة، ورميناه بسهم فلم نخطئ فؤاده".

الخاتمة

كان سعد بن عبادة أحد أعمدة الإسلام في المدينة، اشتهر بكرمه وولائه للنبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه بقي متمسكًا بمواقفه حتى النهاية. سواءً في حياته السياسية أو الاجتماعية، ظل اسمه رمزًا للعطاء والثبات. فما رأيك في شخصية سعد بن عبادة؟ وهل تعتقد أن موقفه من الخلافة كان صائبًا؟

السبت، 26 يوليو 2014

فردوسنا المفقود: في ذكرى سقوط الأندلس

أنين الأندلس... حكاية ملكٍ ضاع ومجدٍ اندثر


على أطلال قصر الحمراء، حيث كانت ترتفع راية المجد الإسلامي، وحيث كانت الحضارة تضيء ظلام أوروبا، نقف اليوم في ذكرى سقوط الأندلس، نستعيد الألم، ونتجرع مرارة الفقدان.
يا لها من لحظة دامية في تاريخنا، حين أُجبر آخر ملوك بني الأحمر، أبو عبد الله الصغير، على تسليم مفاتيح غرناطة عام 1492، حينها بكى الملوك، وانتحب الفرسان، وتنهدت الأرض حسرةً على من سادوا ثم بادوا.
نستذكر اليوم قرونًا من العزة والعلم، من قصور عامرة بالعلماء والشعراء، من مساجد تنطق بالقرآن، ومدارس كانت ملاذًا للحكمة والمعرفة. نستحضر ركب الحضارة الذي توقف، والأنجم التي انطفأت، والقلوب التي انكسرت على أسوار قرطبة وإشبيلية وغرناطة.
لم يكن سقوط الأندلس مجرد هزيمة في معركة، بل كان زوال هوية، ومحو تاريخ، واغتيال حضارة. فكم من عالم حُرِقَت كتبه؟ وكم من فارس قُطِعَت سيوفه؟ وكم من طفل تشرّد في أرض لم تعد له وطنًا؟
في مثل هذا اليوم، لا نملك سوى أن نرفع آهات الحزن، ونطلق العنان للشعر ليبكي على تلك الربوع التي ضاعت، ويكتب بمداد الدموع مرثيات الفقدان والاغتراب.
والآن، إليكم هذه القصائد التي تنوح على الفردوس المفقود، 
وترسم بريشة الألم صورة المجد الضائع.


سقوط الأندلس كان نهاية لحضارة مزدهرة، ودرسًا في أهمية القوة للحفاظ على المجد، إذ انهارت بعد التفرق والضعف، تاركة إرثًا ثقافيًا خالدًا.

قصيدة : لكل شيء اذا ماتمّ ( رثاء الأندلس(
للشاعر ابو البقاء الرندي

لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ
فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ

هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ
مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ

وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ
وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ

يُمَزِّقُ الدَهرُ حَتماً كُلَّ سابِغَةٍ
إِذا نَبَت مَشرَفِيّات وَخرصانُ

وَيَنتَضي كُلَّ سَيفٍ للفَناء وَلَو
كانَ ابنَ ذي يَزَن وَالغِمد غمدانُ

أَينَ المُلوكُ ذَوي التيجانِ مِن يَمَنٍ
وَأَينَ مِنهُم أَكالِيلٌ وَتيجَانُ

وَأَينَ ما شادَهُ شَدّادُ في إِرَمٍ
وَأينَ ما ساسَه في الفُرسِ ساسانُ

وَأَينَ ما حازَهُ قارونُ من ذَهَبٍ
وَأَينَ عادٌ وَشدّادٌ وَقَحطانُ

أَتى عَلى الكُلِّ أَمرٌ لا مَرَدّ لَهُ
حَتّى قَضوا فَكَأنّ القَوم ما كانُوا

وَصارَ ما كانَ مِن مُلكٍ وَمِن مَلكٍ
كَما حَكى عَن خَيالِ الطَيفِ وَسنانُ

دارَ الزَمانُ عَلى دارا وَقاتِلِهِ
وَأَمَّ كِسرى فَما آواهُ إِيوانُ

كَأَنَّما الصَعبُ لَم يَسهُل لَهُ سببٌ
يَوماً وَلا مَلَكَ الدُنيا سُلَيمانُ

فَجائِعُ الدُهرِ أَنواعٌ مُنَوَّعَةٌ
وَلِلزَمانِ مَسرّاتٌ وَأَحزانُ

وَلِلحَوادِثِ سلوانٌ يُهوّنُها
وَما لِما حَلَّ بِالإِسلامِ سلوانُ

دهى الجَزيرَة أَمرٌ لا عَزاءَ لَهُ
هَوَى لَهُ أُحُدٌ وَاِنهَدَّ ثَهلانُ

أَصابَها العينُ في الإِسلامِ فاِرتزَأت
حَتّى خَلَت مِنهُ أَقطارٌ وَبُلدانُ

فاِسأل بَلَنسِيةً ما شَأنُ مرسِيَةٍ
وَأَينَ شاطِبة أَم أَينَ جيّانُ

وَأَين قُرطُبة دارُ العُلُومِ فَكَم
مِن عالِمٍ قَد سَما فِيها لَهُ شانُ

وَأَينَ حمص وَما تَحويِهِ مِن نُزَهٍ
وَنَهرُها العَذبُ فَيّاضٌ وَمَلآنُ

قَوَاعد كُنَّ أَركانَ البِلادِ فَما
عَسى البَقاءُ إِذا لَم تَبقَ أَركانُ

تَبكِي الحَنيفِيَّةُ البَيضَاءُ مِن أَسَفٍ
كَما بَكى لِفِراقِ الإِلفِ هَيمَانُ

عَلى دِيارٍ منَ الإِسلامِ خالِيَةٍ
قَد أَقفَرَت وَلَها بالكُفرِ عُمرانُ

حَيثُ المَساجِدُ قَد صارَت كَنائِس ما
فيهِنَّ إِلّا نَواقِيسٌ وصلبانُ

حَتّى المَحاريبُ تَبكي وَهيَ جامِدَةٌ
حَتّى المَنابِرُ تَبكي وَهيَ عيدَانُ

يا غافِلاً وَلَهُ في الدهرِ مَوعِظَةٌ
إِن كُنتَ في سنَةٍ فالدهرُ يَقظانُ

وَماشِياً مَرِحاً يُلهِيهِ مَوطِنُهُ
أَبَعدَ حِمص تَغُرُّ المَرءَ أَوطانُ

تِلكَ المُصِيبَةُ أَنسَت ما تَقَدَّمَها
وَما لَها مِن طِوَالِ المَهرِ نِسيانُ

يا أَيُّها المَلكُ البَيضاءُ رايَتُهُ
أَدرِك بِسَيفِكَ أَهلَ الكُفرِ لا كانوا

يا راكِبينَ عِتاق الخَيلِ ضامِرَةً
كَأَنَّها في مَجالِ السَبقِ عقبانُ

وَحامِلينَ سُيُوفَ الهِندِ مُرهَفَةً
كَأَنَّها في ظَلامِ النَقعِ نيرَانُ

وَراتِعينَ وَراءَ البَحرِ في دعةٍ
لَهُم بِأَوطانِهِم عِزٌّ وَسلطانُ

أَعِندكُم نَبَأ مِن أَهلِ أَندَلُسٍ
فَقَد سَرى بِحَدِيثِ القَومِ رُكبَانُ

كَم يَستَغيثُ بِنا المُستَضعَفُونَ وَهُم
قَتلى وَأَسرى فَما يَهتَزَّ إِنسانُ

ماذا التَقاطعُ في الإِسلامِ بَينَكُمُ
وَأَنتُم يا عِبَادَ اللَهِ إِخوَانُ

أَلا نُفوسٌ أَبيّاتٌ لَها هِمَمٌ
أَما عَلى الخَيرِ أَنصارٌ وَأَعوانُ

يا مَن لِذلَّةِ قَوم بَعدَ عِزّتهِم
أَحالَ حالَهُم كفرٌ وَطُغيانُ

بِالأَمسِ كانُوا مُلُوكاً فِي مَنازِلهِم
وَاليَومَ هُم في بِلادِ الكُفرِ عُبدانُ

فَلَو تَراهُم حَيارى لا دَلِيلَ لَهُم
عَلَيهِم من ثيابِ الذُلِّ أَلوانُ

وَلَو رَأَيت بُكاهُم عِندَ بَيعهمُ
لَهالَكَ الأَمرُ وَاِستَهوَتكَ أَحزانُ

يا رُبَّ أمٍّ وَطِفلٍ حيلَ بينهُما
كَما تُفَرَّقُ أَرواحٌ وَأَبدانُ

وَطفلَة مِثلَ حُسنِ الشَمسِ إِذ برزت
كَأَنَّما هيَ ياقُوتٌ وَمُرجانُ

يَقُودُها العِلجُ لِلمَكروهِ مُكرَهَةً
وَالعَينُ باكِيَةٌ وَالقَلبُ حَيرانُ

لِمثلِ هَذا يذوبُ القَلبُ مِن كَمَدٍ
إِن كانَ في القَلبِ إِسلامٌ وَإِيمانُ


سقوط الأندلس كان نهاية لحضارة مزدهرة، ودرسًا في أهمية القوة للحفاظ على المجد، إذ انهارت بعد التفرق والضعف، تاركة إرثًا ثقافيًا خالدًا.

أحد عشر كوكبًا – محمود درويش في رثاء الأندلس

في المساء الأخير على هذه الأرض
نقطع أيامَنا عن شُجيّراتِنا، ونَعُدّ الضلوعَ التي سوفَ نحملُها معنا
والضلوعَ التي سوفَ نتركُها هَهُنا...

في المساء الأخير
لا نُودِّعُ شيئًا، ولا نجدُ الوقتَ كَيْ ننتهي...
كلّ شيءٍ يظلُّ على حالِهِ، فالمكانُ يُبدِّلُ أحلامَنا
ويُبدِّلُ زوّارَهُ...
فجأةً لم نعدْ قادرينَ على السخرية
فالمكانُ معدٌّ لكي يستضيفَ الهباء...

هنا في المساء الأخير
نتملّى الجبالَ المحيطةَ بالغيْم: فتحٌ... وفتحٌ مضادّ
وزمانٌ قديمٌ يُسلِّمُ هذا الزمانَ الجديدَ مفاتيحَ أبوابِنا
فادخلوا، أيُّها الفاتحون، منازلَنا واشربوا خمرَنا
من موشَّحِنا السهل...
فالليلُ نحنُ إذا انتصفَ الليلُ،
لا فجرَ يحملُه فارسٌ قادمٌ من نواحي الأذانِ الأخير...

شايُنا أخضرٌ ساخنٌ فاشربوه، وفُستُقُنا طازجٌ فكُلوه
والأسِرَّةُ خضراءُ من خشبِ الأرزِ، فاستسلِموا للنُعاس
بعد هذا الحصارِ الطويل، وناموا على ريشِ أحلامِنا
المُلاءاتُ جاهزةٌ، والعُطورُ على البابِ جاهزةٌ، والمرايا كثيرةٌ
فادخُلوها لنخرُجَ منها تمامًا...
وعمَّا قليلٍ سنبحثُ عمّا كانَ تاريخَنا
حولَ تاريخِكم في البلادِ البعيدة...
وسنسألُ أنفسَنا في النهاية:
هل كانتِ الأندلسُ ههُنا أم هناكَ؟
على الأرضِ... أم في القصيدة؟

كيفَ أكتبُ فوقَ السحابِ وصيّةَ أهلي؟
وأهلي يتركونَ الزمانَ كما يتركونَ معاطفَهم في البيوتِ...
وأهلي كلّما شيّدوا قلعةً هدموها لكي يرفعوا فوقَها
خيمةً للحنينِ إلى أوّلِ النخل...
أهلي يخونونَ أهلي
في حروبِ الدفاعِ عن الملح...

لكنّ غرناطةَ من ذهبٍ
من حريرِ الكلامِ المطرَّزِ باللوزِ
من فضّةِ الدمعِ في وترِ العود...
غرناطةٌ للصعودِ الكبيرِ إلى ذاتِها...
ولها أن تكونَ كما تبتغي أن تكونَ:
الحنينَ إلى أيِّ شيءٍ مضى أو سيمضي...

يحكُّ جناحُ سنونوَّةٍ نهدَ امرأةٍ في السريرِ، فتصرخُ:
غرناطةٌ جسدي!
ويُضيّعُ شخصٌ غزالَتَهُ في البراري، فيصرخُ:
غرناطةٌ بلدي!

وأنا من هناكَ، فغنِّ لي
لتبنيَ الحساسينُ من أضلعي
درجًا للسماءِ القريبةِ...
غنِّ فروسيةَ الصاعدينَ إلى حتفِهم قمرًا قمرًا
في زقاقِ العشيقةِ...
غنِّ طيورَ الحديقةِ حجرًا حجرًا...

كم أحبُّكِ أنتِ التي قطّعتِني وترًا وترًا
في الطريقِ إلى ليلِها الحارّ...
غنِّ... لا صباحَ لرائحةِ البنِّ بعدَكِ...
غنِّ... رحيلي عن هديلِ اليمامِ على ركبتَيكِ
وعن عشِّ روحي في حروفِ اسمِكِ السهل...
غرناطةٌ للغناء، فغنِّ...

لي خلفَ السماءِ سماءٌ لأرجعَ، لكنَّني
لا أزالُ أُلمِّعُ معدنَ هذا المكانِ، وأحيا
ساعةً تُبصِرُ الغيبَ...

وأعرفُ أنَّ الزمانَ
لا يُحالِفُني مرتَين...
وأعرفُ أني سأخرجُ من رايتي طائرًا
لا يحطُّ على شجرٍ في الحديقة...

سوفَ يهبطُ بعضُ الكلام عنِ الحبِّ
في شعرِ لوركا الذي سوفَ يسكنُ غرفةَ نومي
ويرى ما رأيتُ من القمرِ البدويِّ...

سأخرجُ من شجرِ اللوزِ قطنًا على زبَدِ...
مرَّ الغريبُ حاملاً سبعَمائةِ عامٍ من الخيلِ...
مرَّ الغريبُ ههُنا، كي يمرَّ الغريبُ هناك...

سأخرجُ بعدَ قليلٍ
من تجاعيدِ وقتي
غريبًا عنِ الشامِ والأندلسْ...

هذهِ الأرضُ ليستْ سمائي، ولكنَّ هذا المساءَ مسائي
والمفاتيحَ لي، والمآذنَ لي، والمصابيحَ لي، وأنا لي أيضًا...
أنا آدمُ الجنتينِ، فقدتُهما مرتَين...
فاطرُدوني على مهلٍ، واقتُلوني على عَجَلٍ، تحتَ زيتونتي، معَ لوركا...

وأنا واحدٌ من ملوكِ النهاية...
أقفزُ عن فرسي في الشتاءِ الأخيرِ...
أنا زفرةُ العربيِّ الأخيرة...

لا أطلُّ على الآسِ فوقَ سطوحِ البيوتِ
ولا أتطلَّعُ حولي لئلا يراني هنا أحدٌ كانَ يعرفُني
كانَ يعرفُ أني صقلتُ رخامَ الكلامِ
لتعبرَ امرأتي بقعَ الضوءِ حافيةً...

لا أطلُّ على الليلِ كي لا أرى قمرًا
كانَ يشعلُ أسرارَ غرناطةَ كلَّها جسدًا جسدًا...

لا أطلُّ على الظلِّ كي لا أرى
أحدًا يحملُ اسمِي ويركضُ خلفي:
خذِ اسمَك عني، وأعطني فضّةَ الحورِ...

لا أتلفَّتُ خلفي لئلا أتذكَّرَ أني مررتُ على الأرضِ،
لا أرضَ في هذه الأرضِ منذُ تكسَّرَ حولي الزمانُ الشظايا...

لم أكنْ عاشقًا
كي أُصدِّقَ أنَّ المياهَ مرايا
مثلما قلتُ للأصدقاءِ القدامى...
ولا حبَّ يشفعُ لي
منذُ قبلتُ "معاهدةَ الصلحِ"...

لم يبقَ لي حاضرٌ
كي أمرَّ غدًا قربَ أمسي...

سترفعُ قشتالةُ تاجَها فوقَ مئذنةِ اللهِ...
أسمعُ خشخشةً للمفاتيحِ
في بابِ تاريخِنا الذهبيِّ...
وداعًا لتاريخِنا...

هل أنا من سيُغلقُ بابَ السماءِ الأخيرَ؟
أنا زفرةُ العربيِّ الأخيرة...

ذاتَ يومٍ سأجلسُ فوقَ الرصيفِ... رصيفِ الغريبة...
لم أكنْ نرجسًا، بيدَ أني أدافعُ عن صورتِي في المرايا...

أما كنتَ يومًا، هنا، يا غريب؟

خَمْسُمائَةِ عامٍ مَضى وَانْقَضى،
وَالْقَطيعَةُ لَمْ تَكْتَمِلْ بَيْنَنا، هاهُنا،
وَالرَّسائِلُ لَمْ تَنْقَطِعْ بَيْنَنا، وَالْحُروبُ لَمْ تُغَيِّرْ
حَدائِقَ غَرْناطَتي.
ذاتَ يَوْمٍ أَمُرُّ بِأَقْمارِها وَأَحُكُّ بِلَيْمونةٍ رَغْبَتي...
عانِقيني لأُولَدَ ثانِيَةً مِنْ رَوائِحِ شَمْسٍ وَنَهْرٍ على كَتِفَيْكِ،
وَمِنْ قَدَمَيْنِ تَخْمُشانِ الْمَساءَ فَيَبْكي حَليباً لِلَيْلِ القَصيدَة...

لَمْ أَكُنْ عَابِراً في كَلامِ المُغَنّين...
كُنْتُ كَلامَ المُغَنّينَ، صُلْحَ أَثينا وَفارِسَ،
شَرْقاً يُعانِقُ غَرْباً في الرَّحيلِ إلى جَوْهَرٍ واحِدٍ.
عانِقيني لأُولَدَ ثانِيَةً مِنْ سُيوفٍ دِمَشْقِيَّةٍ في الدَّكاكينِ.

لَمْ يَبْقَ منّي غَيْرُ دِرْعي الْقَديمَةِ، سَرْجِ حِصاني المُذَهَّبِ.
لَمْ يَبْقَ مِنّي غَيْرُ مَخْطوطةٍ لِابْنِ رُشْدٍ، وَطَوْقِ الحَمامَةِ،
وَالتَّرْجَمات...
كُنْتُ أَجْلِسُ فَوْقَ الرَّصيفِ على ساحَةِ الأُقْحُوانَة وأَعُدُّ
الْحَماماتِ: واحِدةً، اثْنَتَيْنِ، ثَلاثينَ...
وَالْفَتَياتِ اللَّواتي يَتَخاطِفْنَ ظِلَّ الشُّجَيْراتِ فَوْقَ الرُّخامِ،
وَيَتْرُكْنَ لِوَرَقِ العُمْرِ، أَصْفَرَ.

مَرَّ الخَريفُ عَلَيَّ وَلَمْ أَنْتَبِه...
مَرَّ كُلُّ الخَريفِ، وَتاريخُنا مَرَّ فَوْقَ الرَّصيفِ...
وَلَمْ أَنْتَبِه!

لِلْحَقيقَةِ وَجْهانِ وَالثَّلْجُ أَسْوَدُ
فَوْقَ مَدينَتِنا لَمْ نَعُدْ قادِرينَ على الْيَأْسِ أَكْثَرَ مِمّا يَئِسْنا,
وَالنِّهايَةُ تَمْشي إلى السّورِ واثِقَةً مِنْ خُطاها
فَوْقَ الْبَلاطِ الْمُبَلَّلِ بِالدِّمْعِ، واثِقَةً مِنْ خُطوَاهُ.

مَنْ سَيُنْزِلُ أَعْلامَنا: نَحْنُ، أَمْ هُمْ؟
وَمَنْ سَوْفَ يَتْلو عَلَيْنا "مُعاهَدَةَ الصُّلْحِ"، يا مَلِكَ الاحْتِضار؟
كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ لَنا سَلَفًا, مَنْ سَيَنْزِعُ أَسْماءَنا عَنْ هُوِيَّتِنا: أَنْتَ أَمْ هُمْ؟
وَمَنْ سَوْفَ يَزْرَعُ فِينَا خُطْبَةَ التّيهِ...

سَأَعْرِفُ أَنِّي هَلَكْتُ وَأَنِّي تَرَكْتُ هُنا خَيْرَ مَا فِيَّ: مَاضِيَّ.
لَمْ يَبْقَ لِي غَيْرُ جِيتارَتِي...
كُنْ لِجيتارَتي وَتَراً أَيُّهَا الْماءُ.
قَدْ ذَهَبَ الْفاتِحُون وَأَتَى الْفاتِحُون..

في الرَّحيلِ الْكبيرِ أَحِبُّكِ أَكْثَر

عَمّا قَليْلْ تَقْفِلينِ المَدينَةَ. لا قَلْبَ لي في يَديكِ، وَلادَرْبَ يَحمِلُني، في الرَّحيلِ الْكَبيرِ أُحِبُّكِ أَكْثَر.

لا حَليبَ لِرُمّانِ شُرفَتِنا بَعْدَ صَدْرِكِ. خَفَّ النَّخيل، خَفَّ وَزنُ التِّلال، وَخَفَّتْ شَوارِعُنا في الأَصيل. خَفَّتِ الأرضُ إذْ وَدعَتْ أَرضَها، خَفَّتِ الْكَلِمات، والْحِكَاياتُ خَفَّت على دَرَجِ اللَّيل، لَكِنَّ قَلْبي ثَقيل.

فَاترُكيهِ هُنا حَولَ بَيْتكِ يَعوي وَيَبكي الزَّمانَ الْجَميلْ، لَيْسَ لي وَطَنٌ غَيْرَهُ، في الرَّحيل أُحِبُّكِ أَكْثَر.

أُفْرِغُ الرّوح مِنْ آخِر الْكَلِمات: أُحِبُّكِ أَكْثَر.

في الرَّحيلِ تَقودُ الْفَراشاتُ أَرواحَنا، في الرَّحيلْ نَتَذَكَرُ زِرَّ الْقَميصِ الّذي ضاعَ مِنّا، وَنَنْسى تاجَ أَيامِنا.

نَتَذَكَرُ رائِحَةَ الْعَرَقِ الْمِشمِشيِّ، وَنَنْسى رَقصَةَ الْخَيْلِ في لَيْلِ أَعْراسِنا. في الرَّحيلْ نَتَساوى مَعَ الطَّيْر، نَرْحَمُ أَيامَنا، نَكتَفي بِالْقَليلْ.

أَكتَفي مِنْكِ بالْخَنْجَرِ الذَّهبيِّ يُرَقِّصُ قَلْبي الْقَتيلْ، فاقْتُليني، على مَهَلٍ، كَيْ أَقولَ: أَحِبُّكِ أَكْثَرَ مِمّا قُلْتُ قَبْلَ الرَّحيلِ الْكَبير.

أُحِبُّكِ... لا شَيءَ يوجِعُني، لا الْهَواءُ، وَلا الْماءُ... لا حَبَقٌ فِي صَباحِكِ، وَلا زَنْبَقٌ في مَسائِكِ يوجِعُني بَعْدَ هذا الرَّحيلْ...

لا أُريدُ مِنَ الْحُبِّ غَيْرَ الْبِدايَةِ، يَرْفو الْحَمام فَوْقَ ساحاتِ غَرْناطَتي ثَوْبَ هذا النَّهار.

في الْجِرارِ كَثيرٌ مِنَ الْخَمْرِ لِلْعيدِ مِنْ بَعْدِنا، في الأَغاني نَوافِذُ تَكْفي وَتَكْفي لِيَنْفَجِرَ الْجُلَّنار.

أَتْرُكُ الْفُلَّ في الْمَزهَرِيَّةِ، أَتْرُكُ قَلْبي الصَّغير في خِزانَةِ أُمِّيَ، أَتْرُكُ حُلْمِيَ في الْماءِ يَضْحَك، أَتْرُكُ الْفَجْرَ في عَسَلِ التّين، أَتْرُكُ يَوْمي وأَمْسي في الْمَمَرِّ إلى ساحَةِ الْبُرْتُقالَةِ، حَيْثُ يَطيرُ الْحَمام.

هَلْ أَنا مَنْ نَزَلْتُ إلى قَدَمَيْكِ، لِيَعْلُوَ الْكَلام قَمَراً في حَليبِ لَياليكِ أَبْيَضَ؟

دُقّي الْهَواء كَيْ أَرى شارِعَ النّايِ أَزْرَقَ...

دُقِّي الْمَساء كَيْ أَرى كَيْفَ يَمْرَضُ بَيْني وَبَيْنَكِ هذا الرُّخام.

الشَّبابيكُ خالِيَةٌ مِنْ بَساتينِ شالِكِ.

في زَمَنٍ آخَرٍ كُنْتُ أَعْرِفُ عَنْكِ الْكَثيرَ، وَأَقْطُفُ غاردينيا مِنْ أَصابِعِكِ الْعَشْرِ.

في زَمَنٍ آخَرٍ كانَ لي لُؤْلُؤٌ حَوْلَ جِيدكِ، وَاسْمٌ على خاتَمٍ شَعَّ مِنْهُ الظَّلام.

لا أُريدُ مِنَ الْحُبِّ غَيْرَ الْبِدايَةِ، طارَ الْحَمام فَوْقَ سَقْفِ السَّماءِ الأَخيرةِ، طارَ الْحَمامُ وَطار.

سَوْفَ يَبْقى كَثيرٌ مِنَ الْخَمْرِ مِنْ بَعْدِنا، في الْجِرار، وَقَليلٌ مِنَ الأَرْضِ يَكْفي لِكَيْ نَلْتَقي، وَيَحُلَّ السَّلام.

الكَمَنجاتُ تَبْكي مَعَ الْغَجَرِ الذَّاهِبينَ إلى الأَنْدَلُسْ،
الكَمَنجاتُ تَبْكي على الْعَرَبِ الْخارِجينَ مِنَ الأَنْدَلُسْ،
الكَمَنجاتُ تَبْكي على زَمَنٍ ضائِعٍ لا يَعودْ،
الكَمَنجاتُ تَبْكي على وَطَنٍ قَدْ يَعودْ...

الكَمَنجاتُ تُحْرِقُ غَاباتِ ذاكَ الظَّلامِ الْبَعيد الْبَعيدْ، الكَمَنجاتُ تُدْمي الْمُدى، وَتَشُمُّ دَمي في الْوَريدْ.

الكَمَنجاتُ تَبْكي مَعَ الْغَجَرِ الذَّاهِبينَ إلى الأَنْدَلُسْ، الكَمَنجاتُ تَبْكي على الْعَرَبِ الْخارِجينَ مِنَ الأَنْدَلُسْ.

الكَمَنجاتُ خَيْلٌ على وَتَرٍ مِنْ سَراب، وَماءٍ يَئِنُ.

الكَمَنجاتُ حَقْلٌ مِنَ اللَّيْلَكِ الْمُتَوَحِّشِ يَنْأى وَيَدنُو.

الكَمَنجاتُ وَحشٌ يُعَذِّبُهُ ظُفْرُ إمْرأةٍ مَسَّهُ، وَابتَعَدْ.

الكَمَنجاتُ جَيْشٌ يُعَمِّرُ مَقْبَرَةً مِنْ رُخاَمٍ وَمِنْ نَهَوَنْدْ.

الكَمَنجاتُ فَوْضى قُلوب تُُُُجَنِّنُها الرِّيحُ في قَدَمِ الرَّاقِصةْ.

الكَمَنجاتُ أْسْرابُ طَيْرٍ تَفِرُّ مِنَ الرَّايَةِ النَّاقِصَةْ.

الكَمَنجاتُ شَكْوى الْحَرير المُجَعَّدِ في لَيْلَةِ الْعَاشِقَِةْ.

الكَمَنجاتُ صَوْتُ النَّبيذِ الْبَعيدِ على رَغْبَةٍ سابِقَةْ.

الكَمَنجاتُ تَتْبَعُني، ههُنا وَهُناكَ، لِتَثْأرَ مِنِّي، الكَمَنجاتُ تَبْحَثُ عَنِّي لِتَقْتُلَني، أَيْنَما وَجَدَتْني.

الكَمَنجاتُ تَبْكي على الْعَرَبِ الْخارِجينَ مِنَ الأَنْدَلُسْ،
الكَمَنجاتُ تَبْكي مَعَ الْغَجَرِ الذَّاهِبينَ إلى الأَنْدَلُسْ.

   


   

سقوط الأندلس كان نهاية لحضارة مزدهرة، ودرسًا في أهمية القوة للحفاظ على المجد، إذ انهارت بعد التفرق والضعف، تاركة إرثًا ثقافيًا خالدًا.

قصيدة: في ظلال الصمت

للأستاذة ثريا نبوي

من قطوف الذّكرياتْ
في الليالي الحالكاتْ
صَهْ حشودَ الذَّاهلينْ
تلك أنخابُ الأُلَى اختاروا نبيذَ الرَّاغمِينْ
مِن كُرومِ العابثينْ
ثُمَّ يُضنينا الحَنينْ؛
نحسَبُ التاريخَ طقسًا مِن طقوسِ الراقصينْ
آن تُشجينا اعتذاراتٌ على رَجْعِ الأنينْ
بين أصداءِ المسافاتِ التي ذابت
مع الشوقِ المُحنَّى من دموعِ النَّادمينْ

ها هُنا كُنَّا؛
ولكنَّا!!!
ولكنَّا قتلنا الفاتحينْ
وانحنتْ فينا السنينْ
تزرعُ الحِقدَ الدفينْ
ضاعَ مِنَّا خيلُ “بِرْباطٍ” وأسوارٌ تعالت
حولَ مجدِ العارفينْ؛
دربَهم نحو السماءْ
عمَّدوا الحُلمَ المُقدَّسْ
تحت شمسِ الحقِّ واسْتَلُّوا الولاءْ
ثُمَّ تاهَ الإخوةُ الأعداءُ وانداحت متاهاتُ الهَباءْ
سَلَّموا السَّجانَ أحلامَ ابنِ زيدونَ
استباحوا الفجرَ أطفاهُ الغيابْ…

= = =

قصةُ التّفريطِ تُخفيها دواليبُ الطمعْ
ثُمَّ تَذروها المفاتيحُ التي أَودَتْ بعرشِ التَّائهينْ
في مساراتِ الوجَعْ
حيث يُفنَى ما تَبَقّى
من أمانينا المُدانةْ
تحت أقدامِ الخيانةْ
ثمَّ تَعلوها المهانةْ
حينَ تَستَغشي المساجدْ
في بلادِ الوارثينَ
المجدَ.. قُدَّاسًا صداهـْ
ينبِشُ التاريخَ بالآهاتِ.. آهـْ
إنَّهُ الماضي المُحاصَرْ
في دهاليزِ الهروبْ
حينَ تُشقيه الهَزائِمْ
والغروبْ
آهِ.. والواقعُ أمسى يرتدي ثوبَ الذهولْ
والمدَى حُلْمٌ يضيقْ
يكتسي لونَ الذّبولْ؛
ما يُسَمَّى –خِدعةً– صمْتُ الفصولْ
حيث ما زالت تُوارَى
في ظلالِ الصمتِ أنوارُ الوصولْ
أو يُغذّيها السَّرابْ…

= = =

حين تستجلي المَرايا دمعةَ السّاري بلا صُبحٍ يَبينْ؛
تسألُ النَّجْمَ الحزينْ
عن طنينِ الرَّاحلينْ
عن مُناجاةِ المَغاني في عيونِ النَّازحينْ
والمباءاتِ التي باتت مَغاراتِ الفَرَقْ؛
قَيْدَ أسرارٍ أُريقَت في فضاءاتِ الغَسَقْ
والنَّوايا في أَتونِ الشَّكِّ تُكوَى.. تُختَرَقْ
تُسلِمُ التوحيدَ للجَلْدِ المُشينْ
كيف مرَّتْ من هنا شمسُ الأصيلْ؟
ودَّعَتْ شَطًّا مُدَمًّى بابتهالاتِ الرحيلْ
حين يُذكي المِلحُ في الجُرحِ الصَّهيلْ
كيفَ.. كيفَ.. اجتاحَهم مَوجُ الغَليلْ؟
بيْدَ أنَّ النَّجْمَ أعياهُ الجَوابْ…

= = =

وانكفا الماضي على ظهرِ المِجَنّْ
بينما وَلاَّدةٌ مِن بين أمواجِ المِحَنْ؛
حاورَت طيفَ الشَّجَنْ:
هل سنَبقى نرقُبُ الحُلمَ المُسَجَّى في أخاديدِ الزّمَنْ؟
فاسكُبِ الدمعَ المُسَهَّدْ
وتَطهَّرْ وتَقَلَّدْ
مِن خيولِ العِزِّ مِقْوَدْ
يَدْنُ فجرٌ قد تمرَّدْ
ينضُ عن ليلِ المنافي ما تجعَّدْ
مِن أمانيّ الشروقْ
يومَها تغدو تراتيلُ الحَبَقْ
مِن صدى أنفاسِنا عَبْرَ الطريقْ
لو دَنا طيرُ المُنى؛ يُسقى سُلافاتِ الإيابْ



سقوط الأندلس كان نهاية لحضارة مزدهرة، ودرسًا في أهمية القوة للحفاظ على المجد، إذ انهارت بعد التفرق والضعف، تاركة إرثًا ثقافيًا خالدًا.


في رثاء الأندلس الفردوس المفقود 

للشاعر السوداني محمد أحمد المحجوب

نزلتُ شطّك بعد البين ولهانا
فذقتُ فيك من التبريح ألوانا
وسرتُ فيك غريبًا ظلّ سامره
دارًا وشوقًا وأحبابًا وإخوانا

فلا اللسانُ لسانُ العرب نعرفه
ولا الزمانُ كما كنّا وما كانا
ولا الخمائلُ تُشجينا بلابلُها
ولا النسيمُ سقاه الطلُّ يلقانا

ولا المساجدُ يسعى في مآذنها
مع العشياتِ صوتُ الله ريانا
كم فارسٍ فيك أوفى المجدَ شرعته
وأوردَ الخيلَ وجدانًا وشطآنا

وشادَ للعرب أمجادًا مؤثَّلة
دانتْ لسطوته الدنيا وما دانا
وهلْهلَ الشعرُ زفزافًا مقاطعه
وفجَّر الروض أطيافًا وألحانا

يسعى إلى الله في محرابه ورعًا
وللجمال يمدُّ الروح قربانا
لم يبقَ منكِ سوى ذكرى تؤرِّقنا
وغيرُ دارِ هوًى أصغتْ لنجوانا

أكادُ أسمعُ صوتًا واجفًا قلقًا
من الرقيب تمنَّى طيبَ لقيانا
الله أكبرُ! هذا الحسنُ أعرفه
ريَّانَ يضحكُ أعطافًا وأجفانا

أثارَ فيّ شجونًا كنتُ أكتمُها
عفًّا وأذكرُ وادي النيل هيّمانا
فللعُيون جمالٌ سحرُه قَدَرٌ
وللقدود إباءٌ يفضحُ البانا

فتلك دعدٌ سوادُ الشعر كلَّلها
أُختي لقيتكِ بعد الهجر أزمانا
أُختي لقيتُ ولكن أين سامرُنا؟
في السالفات؟ فهذا البعدُ أشقانا

أُختي لقيتُ ولكن ليس تعرفُني
فقد تباعدَ بعدَ الهجر دعوانا
طفنا بقرطبة الفيحاء نسألُها
عن الجُدودِ وعن آثار مروانا

عن المساجدِ قد طالت منائرُها
تعانقُ السُّحبَ تسبيحًا وعرفانا
وعن ملاعبَ كانت للهوى قُدُسًا
وعن مسارحَ حُسنٍ كنَّ بُستانا

أبو الوليد تغنّى في مرابعها
وأجَّجَ الشوقَ نيرانًا وأشجانا
فما تغرَّب إلا عن ديارهم
والقلبُ ظلَّ بذلك الحُب ولهانا

قد هاجَ منه هوى ولَّادةٍ شجنًا
برحًا وشوقًا وتغريدًا وتحنانا
أبو الوليد! أَعَنَّى ضاعَ تالدُنا؟
وقد تناوحَ أحجارًا وجُدرانا

هذي فلسطين كادتْ والوغى دُوَلٌ
تكون أندلسًا أخرى وإحزانا
كنّا سُراةً تخيفُ الكون وحدتُنا
واليوم صرنا لأهلِ الشرك عبدانا

نغدو على الذُّلِّ أحزابًا مفرَّقة
ونحن كنَّا لحزب الله فُرسانا
رماحُنا في جبينِ الشمس مشرعةٌ
والأرضُ كانت لحزب الله ميدانا

أبا الوليد! عقدنا العزم أنَّ لنا
في غمرة الثأر ميعادًا وبرهانا
الجرحُ وحَّدَنا والثأرُ جمعَنا
للنصر فيه إراداتٌ ووجدانا

لهفي على القدسِ في البأساءِ داميةً
نفديكِ يا قدسُ أرواحًا وأبدانا
سنجعلُ الأرضَ بركانًا نُفجِّرهُ
في وجه باغٍ يراه اللهُ شيطانا

وينمحي العارُ في شمسِ الضحى…

فنرى… أنَّ العروبة تبني مجدَها الآنا

وهكذا، تبقى الأندلس جرحًا نازفًا في ذاكرة التاريخ، وملحمةً ترويها القصائد والدموع. إنها ليست مجرد أرضٍ فقدناها، بل روحٌ نُفيت، وحضارةٌ أُطفئت أنوارها، لكن ذكراها ما زالت تضيء قلوب العاشقين، وتلهم الأجيال القادمة. فقد سقطت الأندلس، لكن إرثها لم يمت، وستظل حكايتها ماثلةً في وجداننا، تُذكرنا بأن الحضارات لا تموت إلا عندما ينساها أهلها. فهل ستكون الأندلس مجرد ذكرى باكية، أم إلهامًا لمستقبل أكثر إشراقًا؟